فخر الدين الرازي
130
تفسير الرازي
جائز إلا أنه روي أن الله تعالى يأمر إسرافيل حتى ينادي : أيتها العظام النخرة والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى : اللفظ الرابع : من الألفاظ المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : * ( فإذا هم ينظرون ) * فيحتمل أن يكون المراد ينظرون ما يحدث بهم ويحتمل ينظر بعضهم إلى بعض وأن يكون المراد ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به الحالة الثانية : من وقائع القيامة ما أخبر الله عنهم أنهم بعد القيام من القبور قالوا : * ( يا ويلنا هذا يوم الدين ) * قال الزجاج : الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة والمقصود أنهم لما شاهدوا القيامة قالوا : * ( هذا يوم الدين ) * أي يوم الجزاء هذا ، والمقصود أن الله تعالى ذكر في آيات كثيرة من القرآن ، أنا نرى في الدنيا محسناً ومسيئاً وعاصياً وصديقاً وزنديقاً ، ورأينا أنه لم يصل إليهم في الدنيا ما يليق بهم من الجزاء فوجب القول بإثبات القيامة : * ( ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) * ( النجم : 31 ) وبالجملة فهذا يدل على أن الجزاء إنما يحصل بعد الموت ، والكفار وإن سمعوا هذا الدليل القوي لكنهم أنكروا وتمردوا ثم إنه تعالى إذا أحياهم يوم القيامة فإذا شاهدوا القيامة يذكرون ذلك اليوم ويقولون : * ( هذا يوم الدين ) * أي يوم الجزاء الذي ذكر الله الدلائل الكثيرة عليه في القرآن فكفرنا بها ، ونظيره أن من خوف بشيء ولم يتلفت إليه ، ثم عاينه بعد ذلك فقد يقول هذا يوم الواقعة الفلانية فكذا ههنا ، وفيه احتمال آخر وهو أنه تعالى قال في سورة الفاتحة * ( مالك بن الدين ) * ( الفاتحة : 4 ) فبين أنه لا مالك في ذلك اليوم إلا الله فقولهم هذا يوم الدين ، إشارة إلى أن هذا هو اليوم الذي لا حكم فيه لأحد إلا لله ، وإنما ذكروه لما حصل في قلوبهم من الخوف الشديد . أما قوله تعالى : * ( هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ) * ففيه بحثان : الأول : اختلفوا في أن هذا هو من بقية كلام الكفار أو يقال تم كلامهم عند قوله تعالى : * ( هذا يوم الدين ) * . وأما قوله : * ( هذا يوم الفصل ) * فهو كلام غيرهم ، فبعضهم قال بالأول وزعم أن قوله : * ( هذا يوم الفصل ) * الآية من كلام بعضهم لبعض ، والأكثرون على القول الثاني واحتجوا بوجهين : الأول : أن قوله : * ( كنتم به تكذبون ) * من كلام بعضهم لبعض خطاب مع جميع الكفار فقائل هذا القول لا بد وأن يكون غير الكفار الثاني : أن قوله : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) * ( الصافات : 22 ) منسوق على قوله : * ( هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ) * فلما كان قوله : احشروا الذين ظلموا ) * كلام غير الكفار فكذلك قوله : * ( هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ) * يجب أن يكون كلام غير الكفار ، وعلى هذا التقدير فقوله : * ( هذا يوم الدين ) * من كلام الكفار ، وقوله : * ( هذا يوم الفصل ) * من كلام الملائكة جواباً لهم ، والوجه في كونه جواباً لهم أن أولئك الكفار ، إنما اعتقدوا في أنفسهم كونهم محقين في إنكار دعوة الأنبياء عليهم السلام وكونهم محقين في تلك الأديان الفاسدة فقالوا : * ( هذا يوم الدين ) * أي هذا اليوم الذي يصل فيه إلينا جزاء طاعتنا وخيراتنا ، فالملائكة يقولون لهم إنه لا اعتبار بظواهر الأمور في هذا اليوم فإن هذا اليوم